الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
503
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الأسماء الجامدة غالبا نحو الكوكب ، والجورب ، والحوشب والدوسر « 1 » ، ولا تدل في الجوامد على غير مسماها ، ولما وقع هنا فيها مادة الكثر كانت صيغته مفيدة شدة ما اشتقت منه بناء على أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى ، ولذلك فسره الزمخشري بالمفرط في الكثرة ، وهو أحسن ما فسر به وأضبطه ، ونظيره : جوهر ، بمعنى الشجاع كأنه يجاهر عدوّه ، والصومعة لاشتقاقها من وصف أصمع وهو دقيق الأعضاء لأن الصومعة دقيقة لأن طولها أفرط من غلظها . ويوصف الرجل صاحب الخير الكثير بكوثر من باب الوصف بالمصدر كما في قول لبيد في رثاء عوف بن الأحوص الأسدي : وصاحب ملحوب فجعنا بفقده * وعند الرّداع بيت آخر كوثر ( ملحوب والرداع ) كلاهما ماء لبني أسد بن خزيمة ، فوصف البيت بكوثر ولاحظ الكميت هذا في قوله في مدح عبد الملك بن مروان : وأنت كثير يا ابن مروان طيب * وكان أبوك ابن العقائل كوثرا وسمي نهر الجنة كوثرا كما في حديث مسلم عن أنس بن مالك المتقدم آنفا . وقد فسر السلف الكوثر في هذه الآية بتفاسير أعمها أنه الخير الكثير ، وروي عن ابن عباس ، قال سعيد بن جبير فقلت لابن عباس : إن ناسا يقولون هو نهر في الجنة ، فقال : هو من الخير الكثير . وعن عكرمة : الكوثر هنا : النبوءة والكتاب ، وعن الحسن : هو القرآن ، وعن المغيرة : أنه الإسلام ، وعن أبي بكر بن عيّاش : هو كثرة الأمة ، وحكى الماوردي : أنه رفعة الذكر ، وأنه نور القلب ، وأنه الشفاعة ، وكلام النبي صلى اللّه عليه وسلم المروي في حديث أنس لا يقتضي حصر معاني اللفظ فيما ذكره . وأريد من هذا الخبر بشارة النبي صلى اللّه عليه وسلم وإزالة ما عسى أن يكون في خاطره من قول من قال فيه : هو أبتر ، فقوبل معنى الأبتر بمعنى الكوثر ، إبطالا لقولهم . وقوله : فَصَلِّ لِرَبِّكَ اعتراض والفاء للتفريع على هذه البشارة بأن يشكر ربه عليها ، فإن الصلاة أفعال وأقوال دالة على تعظيم اللّه والثناء عليه وذلك شكر لنعمته . وناسب أن يكون الشكر بالازدياد مما عاداه عليه المشركون وغيرهم ممن قالوا مقالتهم الشنعاء : إنه أبتر ، فإن الصلاة للّه شكر له وإغاظة للذين ينهونه عن الصلاة كما قال تعالى : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى [ العلق : 9 ، 10 ] لأنهم إنما نهوه عن الصلاة التي هي لوجه اللّه دون العبادة لأصنامهم ، وكذلك النحر للّه .
--> ( 1 ) الجورب : ثوب يجعل في صورة خف وتلف فيه الرجل ، والحوشب : المنتفخ الجنبين وعظم في باطن الحافر ، واسم للأرنب الذكر ، والثعلب الذكر ، والدوسر : الضخم الشديد .